Thursday, October 3, 2019

لم يعد من السهل الحصول على العلاج النفسي في فنلندا، لا سيما في المناطق الريفية

ويقول جوهو ميرتانين، باحث في علم النفس بالجمعية الفنلندية للصحة النفسية، إن سوق العمل في فنلندا أسهم في زيادة المشكلات النفسية بين الشباب بسبب إنعدام الأمان الوظيفي، فضلا عن أن التفاوت الاجتماعي آخذ في الازدياد.
ويلقي ميرتانين باللوم على انتشار الأجهزة الرقمية في فنلندا وتزايد الاعتماد على الوظائف المستقلة والمؤقتة، وكلاهما يؤثر على الصحة النفسية للشباب في العالم الغربي. ويقول: "الاقتصاد العالمي يتغير، وهذا يتجلى في انخفاض عدد الوظائف الثابتة التي يشغلها الموظف ثم يترقى وبعدها يتقاعد".
ويرى ميرتانين أن مواقع التواصل الاجتماعي تؤثر أيضا على الصحة النفسية للشباب في فنلندا وغيرها من الدول، بسبب المقارنة التي يعقدها رواد هذه المواقع بين لحظات البؤس التي يمرون بها وبين اللحظات السعيدة التي يعرضها الآخرون على صفحاتهم في هذه المواقع.
ويقول إن صورة فنلندا في العالم التي من المفترض أن يشعر سكانها بالسعادة والرضا، تؤثر سلبا على بعض الشباب الفنلندي الذي قد يشعر أن تجاربه في سوق العمل تخالف هذه الصورة النمطية.
تقول كيرسي ماريا موبرغ، التي تبلغ من العمر 34 عاما، وشخصت بالاكتئاب في سن المراهقة ولازمها المرض طيلة العشرينيات من العمر: "قد تشعر أنه لا يحق لك أن تصاب بالاكتئاب عندما تعيش في بلد مثل فنلندا، حيث المستوى المعيشي المرتفع".
وتضيف: "قد يشعرك المجتمع بأنه يجب عليك أن تستمتع بحياتك وبكل الإمكانيات التي أتيحت لك وأنت في مرحلة الشباب".
ويقول جون جونتورا، طبيب أصيب بالاكتئاب أثناء دراسته الجامعية، إن الاكتئاب، رغم ارتباطه ببعض الأحداث الشخصية والاجتماعية الصعبة مثل الانفصال أو الركود الاقتصادي، إلا أنه مرض قد يصيب أي شخص بغض النظر عن مستواه المعيشي.
ويضيف: "عندما أصبت بالاكتئاب، كان كل شيء في حياتي على ما يرام، كنت مستمتعا بمدرستي وأمارس هواياتي، وكنت مرتبطا بعلاقة عاطفية، لكن رغم ذلك اعتراني المرض".
ويرى خبراء الصحة النفسية أن حملات مكافحة الانتحار أسهمت في تراجع النظرة السلبية والخجل المصاحبين للاكتئاب والقلق في فنلندا، وزاد إقبال الناس على العيادات النفسية لتلقي العلاج.
إلا أن الكثيرين من الشباب الذي أصيبوا بالاكتئاب يقولون إنه لا يزال هناك نوع من الوصم المرتبط بالاكتئاب، لكن هذا يتوقف على الدائرة الاجتماعية التي تنتمي إليها ومدى توفر الحرية التي تتيح للشخص التحدث عن الأعراض دون خجل.
يرى الشباب، مثل كيرسي ماريا وجونترا، أنه لا يزال الحديث عن الاكتئاب وأعراضه ممنوعا بعض الشيء في فنلندا، رغم كسر القوالب النمطية المرتبطة بالمرض النفسي
وفي هذا البلد الذي يقدس الخصوصية، نادرا ما يُظهر الفنلنديون مشاعرهم على الملأ، وقلما يتبادلون الأحاديث الودية، وقد يجد بعض الفنلنديين المصابين بالمرض صعوبة في الاعتراف بالاكتئاب ومناقشته مع الآخرين.
ويقول جونتورا، الذي يعالج مرضاه من الاكتئاب، إن الشباب في فنلندا يعجز عن التعبير عن آلامه ومشاعره. إذ لا تزال الأمراض النفسية ترتبط بالضعف، وبعض الرجال يرون أنه من الصعب الاعتراف بأنهم تنتابهم هذه المشاعر.

توفر السلطات المحلية خدمات العلاج النفسي الممولة من الضرائب، لهذا من المفترض، نظريا، ألا يواجه المرضى النفسيون صعوبات مالية للحصول على العلاج.
لكن في السنوات الأخيرة، تزايد الجدل حول قوائم الانتظار الطويلة في المدن الكبرى وصعوبة الوصول للعلاج النفسي في المناطق النائية. وقد يستغرق الأمر أسابيع أو حتى شهور للحصول على العلاج النفسي المناسب.
ويقول ميرتانين، إن التدخل المبكر يزيد فرص الشفاء من الاكتئاب، ولا سيما لدى الشباب الذين يعانون من أعراض الاكتئاب للمرة الأولى في حياتهم.
واستجابة لنقص خدمات الصحة النفسية في بعض المناطق، أسس الدكتور غريغوي جوفي ودكتور ماتي هولي، من المستشفى المركزي بجامعة هلسنكي، منصة "منتل هيلث هاب" الرقمية للصحة النفسية التي نالت شعبية كبيرة في السنوات الأخيرة.
وتوفر المنصة معلومات عن مراكز العلاج وأدوات المساعدة الذاتية ومقاطع فيديو لجلسات علاج مرضى الاكتئاب الحاد والمعتدل.
ووقّع 50,000 شخص على عريضة تطالب الحكومة بتوفير العلاج النفسي لمن يعاني من مشاكل نفسية في غضون شهر. وتقدر الكلفة السنوية لهذه المبادرة بنحو 35 مليون يورو سنويا، لكن المؤيدين يقولون إنها ستوفر 10 أضعاف التكاليف التي تنفق على العلاج ومعونات البطالة.
ويأمل جونتورا أن يتحول النقاش في فنلندا عن الصحة النفسية إلى خطوات ملموسة في ظل تزايد الوعي العالمي بالاكتئاب. ووضعت الأمم المتحدة مؤخرا الصحة النفسية كأحد أهداف التنمية المستدامة.
ويقول جونتورا: "شرع الناس مؤخرا في إدراك مدى انتشار الأمراض النفسية، وحجم الموارد المطلوبة فرديا وعلى مستوى المجتمع. ولا يزال الطريق أمامنا طويلا للقضاء على هذه المشكلة، لكنني أشعر بالتفاؤل".

No comments:

Post a Comment